اسماعيل بن محمد القونوي
35
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
معنى صحيح فذكر الاسم الجليل ينبئ عن علة عدم الإخلاف أعني كون الإلهية منافية له فهو مقتضى « 1 » الحال ويشعر أيضا بتعظيم الموعود به وهو وقوع يوم للحساب إذ وعيد من اتصف بصفة الألوهية وبجميع صفات الكمال لا يكون إلا كذلك فلو لم يلون الخطاب لفاتت هذه اللطائف وقد جوز أن تكون الجملة مسوقة من جهته تعالى لتقرير قول الراسخين فح لا تلوين الخطاب والتلوين أعم من الالتفات كما قيل لكن هنا التفات كما عرفته واللطف المختص بهنا ما ذكر « 2 » ولما كانت النكتة مبنية على الإرادة لم يقصد هذه النكتة في آخر السورة وله وجه آخر كما ستعرفه . قوله : ( واستدل به الوعيدية ) وهم المعتزلة والخوارج وسميت وعيدية أي منسوبة إلى قوله : واستدل به الوعيدية واستدل بقوله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [ آل عمران : 9 ] الوعيدية وهم المعتزلة القائلون على بوجوب عقاب الغساق بحيث لا يجوز عنه العفو قالوا لو جاز لزم المحال وهو الخلف في وعد اللّه وقد قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [ آل عمران : 9 ] قال الإمام احتج الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق قال وذلك لأن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد بدليل قوله تعالى : قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا [ الأعراف : 44 ] حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا والوعد والموعد والميعاد واحد وقد اخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد فكان هذا دليلا على أنه لا يخلف الوعيد والجواب أنا لا نسلم أنه تعالى توعد الفساق مطلقا بل لك الوعيد عندنا مشروط بشرط عدم العفو كما أنه مشروط بالاتفاق بشرط عدم التوبة فكما إنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل فكذلك نحن أثبتنا عدم العفو بدليل منفصل سلمنا أنه توعدهم لكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد أما قوله تعالى : فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [ الأعراف : 44 ] قلنا لم لا يجوز أن يكون ذلك كما في قوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 ] وقوله : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [ الدخان : 49 ] وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند اللّه فكان المراد من الوعد تلك المنافع وذكر الواحدي في البسيط طريقة أخرى فقال لم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء لأن خلف الوعيد كرم عند العرب قال والدليل عليه أنهم يمدحون بذلك في مدائحهم قال الشاعر : إذا وعد السراء انجز وعده * وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه وروي أن المناظرة دارت بين أبي عمرو بن العلا وبين عمرو بن عبيد فقال أبو عمرو بن العلا لعمرو بن عبيد ما تقول في أصحاب الكبائر قال أقول إن اللّه وعد وعدا وأوعد ايعادا وهو منجز ايعاده كما هو منجز وعده قال أبو عمرو بن العلا أنك رجل أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب أن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما وعن الايعاد كرما وأنشد : وإني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف ايعادي ومنجز موعدي والمعتزلة حكوا أن أبا عمرو لما قال هذا الكلام قال له عمرو بن عبيد يا أبا عمرو فهل تسمي اللّه مكذبا نفسه قال لا فقال عمرو بن عبيد فقد سقطت حجتك قالوا فانقطع أبو عمرو بن
--> ( 1 ) ومقتضى الحال مرجح على ظاهر الحال . ( 2 ) وهو التنبيه على علة عدم الخلف وهي كون الإلهية منافية للإخلاف .